آخر الأخبار
. . . . خدمات شبكات الانترنت . . . وأكثر من ذلك
الرئيسية كل الأخبار Breaking News «كفالة الفزعة».. يا بـدايات المحبّـة يا نـهايات الألم!

«كفالة الفزعة».. يا بـدايات المحبّـة يا نـهايات الألم!

تعُد «الكفالة» باباً من أبواب الخير والإحسان عبر تقديمها العون والمساعدة للآخرين في القضايا الأمنية والقضائية، ودورها في التسهيل والتيسير على الموقوفين، وعلى الرغم من أهمية الكفالة وحاجة الناس إليها، إلا أن التساهل والتوسع بها، وضعف الوعي تجاهها، زاد من مخاطرها وآثارها السلبية، حتى تبدلت لدى الكثيرين من عمل خير إلى كبش فداء لمكفوليهم، وأرغمتهم لدفع ما عليهم من ديون وأقساط، ووصل الأمر بهم إلى السجن، وتحولت الكفالة من باب مساعدة اجتماعية وعمل إنساني إلى كارثة على الكفيل، تبدلت معها صداقات عديدة إلى خصام وعداوة وجفاء، وتقطعت أرحام وأواصر المحبة والألفة بين كثير من الأخوة بسببها.

وأجمع مشاركون في تحقيق «الرياض» على ضرورة قيام الجهات المختصة بوضع نظام حديث للكفالة يتسق مع التشريعات العالمية، وينص على قواعد جديدة للكفالة الحضورية وكفالة الغرم والأداء، مؤكدين أهمية اتخاذ الإجراءات التي تحد من توسعها ومن آثارها ونتائجها السلبية وحصرها على مجالات محددة..

عقد وثيقة وغرامة

في البداية تحدث فضل بن شامان -محام وقاض سابق-، قائلاً: إن الكفالة قد يحتاج الناس إليها، حين لا يطمئن البائع إلى المشتري فيحتاج إلى من يكفله بالثمن، أو لا يطمئن المشتري إلى البائع، فيحتاج إلى من يكفله في المبيع، مؤكداً على أنها عقد وثيقة وغرامة، شرعت لدفع الحاجة، وهو وصول المكفول له إلى إحياء حقه، وأكثر ما يكون أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها غرامة.

وأضاف: إن الكفالة نوعان (الكفالة بالنفس) وهي أن يتكفل بإحضار مَن لزمه حقٌّ من دينٍ أو غيره كقصاص دون أن يتكفَّل بأداء الدَّين، وتنتهي إما بتسليم النفس إلى المُطالِب بها كأن يحضره إلى مجلس القضاء، وإما بالإبراء بأن يبرئ صاحبُ الحق الكفيلَ من الكفالة بالنفس، فتنتهي الكفالة، ولا يبرأ الأصيل في هذه الحالة؛ لأن الإبراء صدر للكفيل دون الأصيل، وإما بموت المكفول نفسه فإذا مات الأصيل برئ الكفيل بالنفس من الكفالة، مضيفاً أن الكفالة تنتهي إذا مات الكفيل؛ لأنه لم يبقَ قادرًا على تسليم المكفول بنفسه، فإذا لم تنته الكفالة بإحدى تلك الصور فإن الكفيل قد يتعرض إلى السجن لإلزامه بتنفيذ كفالته.

ولفت ابن شامان إلى أن النوع الثاني من الكفالة هي (الكفالة بالدَّين) وهي أن يتكفَّل بدَين ثبت في ذمة إنسان يلتزم الكفيلُ أداءه إذا لم يؤدِّه مَن هو عليه في أجلِه، وتسمَّى الضمان، موضحاً أن الكفالة بمال تنتهي بأحد أمرين: إما بأداء المال إلى الدائن من الكفيل أو من الأصيل، وإما بالإبراء وما في معناه كالهِبة وغيرها، مبيناً أنه إذا أبرأ الدَّائنُ الكفيلَ أو الأصيل انتهت الكفالة، وكذلك تنتهي بالصلح، وذلك بأن يُصالِح الكفيلُ الدائنَ على بعض المدَّعَى به.

الحد من التوسع في الكفالة

وشدد ابن شامان أنه يتعين على الجهات المختصة في الدولة اتخاذ الإجراءات التي تحد من التوسع في الكفالة وحصرها على مجالات محددة فقط، وذلك للحد من آثارها ونتائجها السلبية التي تنتهي بقطع الأرحام وخلق العداوات بين الناس بدلاً من أن تؤدي وظيفتها في ترابط المجتمع وتعاونه وتلاحمه، ومنها قيام الجهات المختصة في الدولة وهي مجلس الشورى، وهيئة الخبراء بوضع نظام حديث للكفالة يتسق مع التشريعات العالمية في هذا المجال، ينص على قواعد جديدة للكفالة الحضورية وكفالة الغرم والأداء يحمي الكفلاء من عدم وفاء المكفولين بالتزاماتهم الحضورية والمالية، وعدم التنفيذ على الكفلاء إلا بعد صدور أحكام قضائية قطعيّة على المكفولين، واستنفاذ كافة طرق التنفيذ على المكفولين وعدم استطاعتهم الوفاء.

وزاد أن من تلك الإجراءات وضع لوائح تنفيذية وتنظيمية وتعليمات لجميع الجهات الحكومية، لتطبيق الأنظمة الحديثة بشكل يواكب تطورات العصر، والتقنيات الحديثة، ويحمي المواطن من التفاوت في تطبيق العقوبات والجزاءات، بالإضافة إلى عدم استخدام الكفالة في القضاء والمحاكم، والاكتفاء بوجود محل إقامة ثابت وواضح، أو معرفة جهة عمله، واستخدام الكفالة المالية في حالة عدم توفر ذلك، إلى جانب تطوير ترقيم المباني، وربطها بمعلومات إقامة المواطنين والمقيمين، وحفظها في مركز المعلومات الوطني، كمكان السكن وأرقام الهواتف وأمكنة العمل، وإتاحة الاطلاع على هذه المعلومات لكل العاملين والمتعاملين بأنظمة الكفالة، وجعل دور عمدة الحي دوراً مؤسسياً، وتزويده بموظفين مؤهلين، وأساليب عمل متطورة من بنية تحتية إلكترونية، ووسائط نقل، وغير ذلك مما يلزمه في أداء مهامه، بشكل يجعل منه مصدر معلومات محلي يعرف جميع ساكني الحي الذي يعمل فيه، ويعرف مالكي العقارات ومستأجريها.

التوعية بمخاطرها

ودعا ابن شامان في هذا الصدد إلى ضرورة تطوير الأنظمة المالية بشكل عام كأنظمة البيع بالتقسيط، والقروض المصرفية، وضمان حقوق الدائنين بوسائل أخرى غير الكفالة الحضورية، كالرهن العقاري، أو رهن الأسهم أو غير ذلك من الوسائل، بالإضافة إلى توعية المقرضين بعدم تقديم القروض إلا لأشخاص ذي سمعة جيدة والتحقق من تاريخهم المالي قبل الإقدام على إقراضهم، وفيما إذا كان قد سبق لهم التعثر في وفاء قروض سابقة لهم، واستبدال الضمانات والرهون العقارية بالكفالات، موضحاً أن عليها التأكد من أن الكفيل أو الضامن ليس كفيلاً لشخص آخر في الوقت ذاته، أو أن الكفيل غير مليء، أو أنه سبق له عدم الوفاء بكفالات سابقة عليه.

وأكد أنه يجب على كل شخص يريد كفالة شخص آخر أن يتحقق من أربعة أمور أساسية وهي: أن تكون الكفالة في موضوع معين ومحدد حصراً، وألا تكون كفالة عامة في ديون غير معروفة أو غير محددة، بالإضافة إلى أن يكفل شخصاً معروفاً لديه، وموثوقاً فيه، بحيث يتمكن من الرجوع عليه في حال تنفيذه لموضوع الكفالة، وأن يكون لدى الكفيل المقدرة على تنفيذ الالتزام موضوع الكفالة سواء بسداد الدين أو إحضار المكفول.

أنواع الكفالة

وأوضح د. تركي الطيار -محام- أن العلماء اختلفوا في بيان أنواع الكفالة فمنهم من يحصرها في نوعين: الكفالة بالنفس والكفالة بالدَّين، موضحاً أن من العلماء من جعلها أربعة أنواع هي الكفالة بالنفس: وهي “الكفالة الحضورية”: بإحضار من لزمه حق من دين أو غيره -كقصاص- دون أن يتكفل بأداء الدَّين، و”الكفالة بالمال”: وهي الكفالة بأداء مال “الكفالة الغرمية”، و”الكفالة بالعين”: وهي الكفالة بتسليم شيء لمستحقه، و”الكفالة بالدرك”: وهي الكفالة بأداء ثمن المبيع وتسليمه.

ولفت أن بعض فقهاء القانون قسموا أنواع الكفالة إلى ثلاثة أنواع بحسب حيثيتها من خلال المصدر: إما اتفاقية قانونية أو قضائية، ومن حيث الطبيعة: إما كفالة مدنية أو تجارية، ومن حيث المحل: إما كفالة شخصية أو عينية أو كفالة بدن، مبيناً أن الفرق الرئيسي بين كل نوع عن الآخر هو في الشيء الذي يراد الكفالة فيه، ويختلف الأثر حسب نوع الكفالة، فإن كانت الكفالة عن مال مستحق فيلتزم الكفيل بأداء المال حين الطلب، وإن كانت الكفالة عن النفس فيلتزم الكفيل بإحضار الشخص وإن لم يستطع الكفيل إحضار الشخص المكفول عنه فحينئذ يكون الكفيل عرضة إلى تحمل أداء ما على المكفول من الحقوق المالية إن لم يشترط الكفيل “البراءة من المال”.

مشيراً إلى أن طلب الكفالة في الجهات الأمنية تحمل الطابع الجزائي، والذي يرمي إلى نتائج منها عقوبة الجاني، موضحاً أنه لضمان التمكن من عقوبة الجاني تقوم الجهات الأمنية بحبس الجاني حتى لا يهرب من يد جهات التحقيق والقضاء، وحبس كل جان يعني تكدس دور التوقيف والتزام أجهزة الدولة بالتعويض عن الأيام التي حبست فيها من صدر ما يبرئه من الجريمة، مؤكداً على أنه كان الملاذ المناسب هو إخراج المتهم بالجريمة بالكفالة الحضورية “الكفالة بالنفس”، وبموجبها يلتزم الكفيل بإحضار المكفول للجهات الأمنية والقضائية عند الطلب، مشيراً إلى الكفالة في الجهات القضائية. فإن محكمة التنفيذ مثلاً عندما تحبس مديناً لم يوف بالدين الذي عليه، فإن إخراجه لا يكون إلا في حالات قليلة منها: إحضار كفيل مليء يلتزم بسداد الدين الذي في ذمة المنفذ ضده “المكفول أو المحبوس”، حالة عدم قيام المنفذ ضده “المكفول أو المحبوس” بسداد الدين الذي في ذمته خلال المدة المشروطة.

عواقب أليمة

وبين د. الطيار أن المحاكم غالباً لا تطلب كفيلاً على القضايا التي تعرض أمامها، وقليلاً تطلب كفيلاً متى ما كانت الكفالة في موضعها وحققت مصلحة تدعو القاضي للتغاضي عن مفسدة أقل منها، مضيفاً أنه يترتب على الكفيل الآثار حسب نوع الكفالة التي تندرج تحتها، لافتاً إلى أن مدة الكفالة تنتهي إن كانت على دين فتنتهي بتسديد المكفول للدين الذي في ذمته أو بتسديد الكفيل للدين الذي في ذمة المكفول على أنه يحق للكفيل الرجوع على المكفول بالدين الذي سدده، وإن كانت على نفس “حضورية” فتنتهي بإحضار الكفيل للمكفول أو بحضور المكفول من تلقاء نفسه للجهة المتفق على الحضور إليها، لافتاً إلى أنه يحق إلغاؤها إذا بطل عقد الكفالة، أو فسخ، أو استعمل المكفول له حق الخيار، أو تحقق شرط البراءة منها، أو انقضت مدة الكفالة المؤقتة، موضحاً أن الكفالة تنتهي بالنّسبة للكفيل، دون أن تبرأ ذمة الأصيل نحو دائنة، مشيراً إلى أن الكفالة إذا لم تكن في موضعها الصحيح فالعاقبة على الكفيل ستكون أليمة، إذ سيكون أمام مصيبتين، الأولى: التزامه بدفع مال لم ينتفع بأصله، والثانية: الخيانة التي قام بها المكفول.

المحـاكـم تشــتكي تزايــد ضحايـا الكفـالـة.. والمجتمع ينتظر تنظيماً يحدد مسؤوليات وحقوق أطراف العقد

شروط البنوك وشركات التقسيط تورط الكفلاء!

أوضح فضل بن شامان أن الكفالة تحولت من مساعدة اجتماعية وعمل إنساني إلى طامة على رأس الكفيل، وتبدلت الصداقة إلى خصام وعداوة، وتقطعت صلة الأرحام وأواصر المحبة والألفة بين الأخوة، مشيراً إلى أن شركات التقسيط والبنوك استغلت الكفالة، حيث وضعت شروطاً تضمن حقوقها وتورط الكفلاء والمكفولين، لأنهم لا يدققون في قراءة الشروط، أو جهلاء بما قد يترتب عليها، أو عدم تصور وقوع أي تقصير من جانب المكفول، وأنها ليس أكثر من إجراء روتيني لتخليص أوراق فقط، مع استبعاد حدوث أي ضرر لهم جراء الكفالة.

مبيناً أنه ووفقاً لاستطلاع للرأي، أجرته إحدى الصحف الخليجية أن (80.8 %) من عينة الاستبيان عدم علمهم بالتبعات القانونية المترتبة على الكفيل الضامن، مقابل (19.2 %) أكدوا علمهم بتلك التبعات، ورفض (58.9 %) من المشاركين كفالة صديق أو قريب، مقابل (34.4 %) أكدوا أنهم سيفكرون في الأمر، فيما أعرب (6.7 %) عن موافقتهم على الفور، وعن الأسباب التي تدعو لكفالة شخص آخر فقد أكد (78.8 %) أنها تعود لصلة القرابة، مقابل (12.1 %) لتجنب إساءة السمعة في المجالس، و(9.1 %) للعادات والتقاليد.

الكفالة تسير على اجتهادات وبيان صادر عام 1407هـ..!

لفت فضل بن شامان إلى جهل الكثيرين بأحكام وتبعات الكفالة، مما جعلهم عرضة للملاحقة أمام جهات القضاء والأمن لإرغامهم على تنفيذ عقود كفالتهم لمكفوليهم، مشدداً على ضرورة تدخل الدولة لتنظيم الكفالة بأنظمة واضحة تحدد مسؤوليات وحقوق جميع أطراف عقد الكفالة من كفلاء ومكفولين ومكفول لهم، وتحدد طرق توثيق الكفالة والجهات المختصة بها، مبيناً أنه لا يوجد حتى الآن في المملكة تنظيم للكفالة سوى بيان أو بلاغ صادر عن وزارة العدل بتاريخ 7/4/1407هـ نص على موضوع الكفالة الحضورية والغرمية، وما عدا ذلك فهو عبارة عن اجتهادات من قبل البنوك أو الشركات الخاصة.

وأكد أنه ولحين صدور تشريع ينظم الكفالة، فإنه يجب توعية الناس بمخاطر الكفالة عبر الندوات والمحاضرات والبرامج، ولفت نظرهم والحذر الشديد من عواقب وتبعات الكفالة، والانتباه والحرص على التأكد والوثوق قبل الإقدام على هذه الخطوة؛ تجنباً للدخول في المشاكل التي نسمع عنها حالياً، لاسيما أن الزمن قد تبدل والذمم قد خربت، مبيناً أنه خير للمرء أن يقاطعه شخص رفض كفالته لأيام أو شهور قليلة من أن تصل الأمور بينهما إلى ساحات المحاكم، وتكون القطيعة لسنوات وربما مدى الحياة، ناصحاً الجميع بعدم الاقتراض إلا للضرورة القصوى وللأشياء المهمة.

معدل قضايا الكفالة بالمحاكم في تزايد..!

أوضح د. تركي الطيار -محام-، إلى زيادة معدل قضايا الكفالة في المحاكم حسب إحصائية منشورة عام 1438هـ، مشيرًا إلى أنه يترتب على الكفالة مجموعة من الآثار التي تعد في ظاهرها سلبية تجاه الكفيل وأبرزها أن المكفول له يستطيع أن يطالب الكفيل بأداء الدين عند حلوله دون أن يتقيد بتعذر مطالبة الأصيل المكفول عنه، وأن يؤدي الكفيل الدَّين حين مطالبة صاحب الدّين به في الزمان والمكان المتفق عليهما، مع مراعاة ما تضمنه عقد الكفالة من شروط، بالإضافة إلى أن يلتزم الكفيل إذا كفل عيناً مضمونة بنفسها بتسليمها ما دامت قائمة، وإن هلكت ألزم برد المثل إن كانت مثلية أو بدفع القيمة إن كانت قيمية، إلى جانب أن يلتزم الكفيل إذا كانت الكفالة بالنفس بإحضار المكفول في المحل المطلوب إحضاره فيه، مبيناً أنه إذا غاب المكفول وعلم الكفيل بمكانه أمهل بقدر ما يمضي إلى هذا المكان ويحضره، فإن مضى إليه ولم يحضره لهربه أو امتناعه لزم الكفيل ما على المكفول من الدَّين، إلا إذا شرط البراءة من المال.

كثير من كفالات الفزعة نهاياتها وخيمة
التساهل في الكفالة دون تحديد موضوعها والاطلاع على شروطها ينذر بمشاكل عديدة
ننتظر صدور تشريع ينظم الكفالة ويحد من التوسع غير المنضبط فيها
فضل شامان
د. تركي الطيار

أخبار مشابهة